محمود توفيق محمد سعد
153
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وكأنّ في هذا هداية وتعليما للأمّة ألا تعتد بكل ما تتقاذفه الألسنة من أقوال بل عليها أن تتحقق وأن تتثبت ، وهذا الذي أفاده قوله ( لا ريب ) فيه إلاحة وإيماء جاء البيان عنه إفصاحا في قول اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( الحجرات : 6 ) فقوله ( لا ريب فيه ) ليس نفيا للريب ولكنه نفي لما يمكن أن يحسب حاسب ما أنّه مما يرتاب ذو ريب فيه ، وهذا من الإبلاغ في النفي ، وفي هذا بشرى لكلّ من أراد أن يقف من القرآن الكريم موقفا موضوعيا علميّا في طور بحثه عن الحقّ أنه ما عليه إلا أن يلتزم بالأصول العلمية المقررة في البحث عن الحقّ والبحث فيه ، فلينظر ما ذا يرى ؟ وما الذي ينتهى إليه ؟ لن ينتهي إلا إلى حقيقة الحقائق : أن هذا المنزّل على عبد اللّه ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ليس إلا الكتاب العلىّ القدر الذي ليس كمثله كتاب وأنه المنزه عن أن يكون فيه ما يصحّ أن يكون محلا للريب وفي هذا - أيضا - تعليم للأمّة أن لا تخشي من أن يسعى ساع إلى ما يطلقون عليه في الثقافات الإنسانية الدراسات النقدية القائمة على منهاج الشك في كل الموروثات والمسلمات السلفية ، فإن مثل تلك الدراسات إذا ما التزمت بالموضوعية العلمية والتزمت بأصول النظر وبالتحقيق العلمي ، فلن ينتهي الأمر إلا إلى الإذعان والإعلان بأنّ القرآن الكريم إنّما هو الكتاب الكامل الذي لا يقوله إلا رب العالمين سبحانه وتعالى ، كلّ ما هنا لك أن يلتزم الساعون إلى تلك الدراسات بأن يكونوا متخلقين بأخلاق العلماء الموضوعين وأعلن الحقّ عزّ وجلّ من بعد هذا أنّ ذلك الكتاب العليّ المنزّه عن أن يكون محلا لريب مرتاب يعتدّ أحد بريبه إنّما هو كتاب نازل لأن يكون هدى للمتقين كلّ ما مني به غيرهم المذكورون في رأس المعنى من سورة الفاتحة : الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضالون منهاج هذين الفريقين في البحث عن الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ هو المنهاج الجدير بالاتقاء ، والإعراض عنه والفرار منه ، فمن أخذ نفسه بأن لا يسلك سبيلهم في البحث عنه ، فإنّه بهذه التقوى واجد في القرآن الكريم هدايته إلى ما يسعى إليه ويبحث عنه